الشنقيطي

263

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) [ 96 ] . أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم - أي جزاء عملهم - بأحسن ما كانوا يعلمون . وبين في مواضع آخر : أنه جزاء بلا حساب ؛ كما في قوله : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) [ الزمر : 10 ] . تنبيه استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة : أن فعل المباح حسن ؛ لأن قوله في هذه الآية بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) صيغة تفضيل تدل على المشاركة ، والواجب أحسن من المندوب ، والمندوب أحسن من المباح ؛ فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب ، دون مشاركهما في الحسن وهو المباح ؛ وعليه درج في مراقي السعود في قوله : ما ربنا لم ينه عنه حسن * وغيره القبيح والمستهجن إلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن ؛ ومن ذلك قوله تعالى لموسى فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [ الأعراف : 145 ] الآية . فالجزاء المنصوص عليه في قوله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النحل : 126 ] حسن . والصبر المذكور في قوله : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) [ النحل : 126 ] أحسن ؛ وهكذا . وقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف عنه « ولنجزين » بنون العظمة . وقرأه الباقون بالياء ، وهو الطريق الثاني لابن ذكوان . قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) [ 97 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن كل عامل سواء كان ذكرا أو أنثى عمل عملا صالحا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة ، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل . اعلم أولا - أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور : الأول - موافقته لما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن اللّه يقول : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . الثاني - أن يكون خالصا للّه تعالى ؛ لأن اللّه جل وعلا يقول : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ